ابن الجوزي

181

صيد الخاطر

ينقضي أوانه ، وان بين زمان : « وعصى » إلى ابان : « فتلقّى » « 1 » مدة مديدة . فاصبر أيها الخاطئ حتى يتخلل ماء عينيك خلال ثوب القلب المتنجس ، فإذا عصرته كفّ الأسى ، ثم تكررت دفع الغسلات ، حكم بالطهارة . بقي آدم يبكي على زلته ثلاثمائة سنة ، ومكث أيوب عليه السلام في بلائه ثمان عشرة سنة ، وأقام يعقوب يبكي على يوسف عليهما السلام ثمانين سنة « 2 » وللبلايا أوقات ثم تنصرم ، ورب عقوبة امتدت إلى زمان الموت . فاللازم أن تلازم محراب الإنابة ، وتجلس جلسة المستجدي ، وتجعل طعامك القلق ، وشربك البكاء ، فربما قدم بشير القبول فارتد يعقوب الحزن بصيرا ، وإن مت في سجن شجنك ( ؟ ) فربما ناب حزن الدنيا عن حزن الآخرة ، وفي ذلك ربح عظيم . 136 - احذر عاقبة العاصي الواجب على العاقل أن يحذر مغبة المعاصي فان نارها تحت الرماد . وربما تأخرت العقوبة ثم فجأت ، وربما جاءت مستعجلة . فليبادر باطفاء ما أوقد من نيران الذنوب ، ولا ماء يطفي تلك النار الا ما كان من عين العين « 3 » ، لعل خصم الجزاء يرضى قبل أن يبت الحاكم في حكمه . 137 - وجوب التوبة والعمل للآخرة واعجبا من عارف باللّه عز وجل يخالفه ولو في تلف نفسه ! هل العيش الا معه ؟ هل الدنيا والآخرة الا له ؟ أفّ لمترخص فعل ما يكره لنيل ما يحب ، تاللّه لقد فاته أضعاف ما حصّل ، أقبل على ما أقوله يا ذا الذوق ، هل وقع لك تعثير في عيش ، وتخبيط في حال ، الا حال مخالفته ؟ ولا انثنى عزمي عن بابكم * الا تعثرت بأذيالي أما سمعت تلك الحكاية عن بعض السلف أنه قال : رأيت على سور بيروت شابا يذكر اللّه تعالى فقلت له ألك حاجة ؟

--> ( 1 ) إشارة إلى آيتي ( وعصى آدم ربه فغوى ) و ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) . ( 2 ) من أين جاء بهذه الأرقام ؟ ( 3 ) نبع العين ، يريد الدمع وللعين عشرات المعاني . انظر قصيدة جمعتها كلها في مقدمة ( الصاحي ) لأحمد بن فارس .